علي داود جابر

185

معجم أعلام جبل عامل

الشخص ما وفي عليه ، فإذا ثيابه لا تسع رقاعته وغمّته ، والحيّة قد نشفت قرعته . وذلك أن اليازوري قام في خدمتنا عشر سنين عددنا عليه ثمانية عشر ذنبا ، وأقام البابلي اثنين وسبعين يوما نقمنا عليه تسعة عشر ذنبا . مع ظاهر كذبه وقلّة احتشامه عندي ، وذلك أنه ذكر لي من حال السقية ما كثر تعجبي منه وأنا بين تصديق الحكاية وتكذيبها ، واحتشمت أن أردّ عليه فيتحقق تكذيبي له . وكان من إقدامه على قتل اليازوري ما كان . وساء لنا ذلك إذ لم نكن نريد قتله . فلما كان بعد ذلك بأيام يسيرة ، أمرته بشيء فعارضني ، وضرب الأمثال بما يصدّني عن ذلك الأمر ، فقلت له : أيها الوزير ، اعلم أن اليازوري لم تطل مدته معنا وتثبت قدمه إلّا أنا كنا إذا أمرناه بشيء انتهى إليه ولم يتجاوزه . فقال لي مجيبا : يا مولانا وكأن اليازوري كان ينقط نقطة إلّا ما أمثله له وأوقفه عليه ! - يريد أنه كان يدبّر اليازوري ويعلمه ويفهمه - فلم يتأمل ما عليه فيه ، ولا ذكر ما كان قاله من حال السقية ، وأذكرني قوله هذا حال السقية ، فقلت له وقد اغتضت منه : يخرس اللّه الوزير ، فإذا كانت السقية برأيه ! فلما سمع ذلك مني دهش وقال : أعوذ باللّه يا مولانا ، ولكنني كنت أبصّره صواب الرأي وأشير عليه بما فيه حميد العاقبة . فعند ذلك تحققت من كذبه على الرجل ما كنت شاكا فيه . وهذا أقوى الأسباب في صرفه ، لأن من ليس له عقل يميز به ما يخرج من فمه ، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير الكبير ، لم يجز أن يوثق به في تدبير مزبلة ، والخوف من جنايته على الدولة برقاعته ونقص عقله أكثر من الطّمع في الانتفاع بنظره » « 1 » . وكان صرف البابلي من الوزارة في شهر ربيع الأول سنة 450 ه ، وله في الوزارة اثنان وسبعون يوما « 2 » .

--> ( 1 ) إتعاظ الحنفا : ج 2 ص 249 ، 250 ، 251 . ( 2 ) الإشارة : ص 46 ، إتعاظ الحنفا : ج 2 ص 251 .